الشنقيطي

323

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ [ النساء : 102 ] الآية . فصلاة الخوف المذكورة في هذه الآية الكريمة تدلّ على لزوم الجمع بين مكافحة العدوّ ، وبين القيام بما شرعه اللّه جلّ وعلا من دينه . فأمره تعالى في هذه الآية بإقامة الصلاة في وقت التحام الكفاح المسلّح يدلّ على ذلك دلالة في غاية الوضوح ، وقد قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) [ الأنفال : 45 ] فأمره في هذه الآية الكريمة بذكر اللّه كثيرا عند التحام القتال يدلّ على ذلك أيضا دلالة واضحة . فالكفّار خيّلوا لضعاف العقول أنّ النسبة بين التقدّم والتمسّك بالدين ، والسمت الحسن والأخلاق الكريمة - تباين مقابلة كتباين النقيضين كالعدم والوجود ، والنفي والإثبات . أو الضدّين كالسواد والبياض ، والحركة والسكون . أو المتضائفين كالأبوّة والبنوّة ، والفوق والتحت . أو العدم والملكة كالبصر والعمى . فإن الوجود والعدم لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة ، وكذلك الحركة والسكون مثلا . وكذلك الأبّوة والبنوّة . فكلّ ذات ثبتت لها الأبّوة لذات استحالت عليها النبوّة لها ، بحيث يكون شخص أبا وابنا لشخص واحد ؛ كاستحالة اجتماع السّواد والبياض في نقطة بسيطة ، أو الحركة والسكون في جرم . وكذلك البصر والعمى لا يجتمعان . فخيّلوا لهم أن التقدّم والتمسّك بالدين متباينان تباين مقابلة ، بحيث يستحيل اجتماعهما ؛ فكان من نتائج ذلك انحلالهم من الدين رغبة في التقدّم ؛ فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين . والتحقيق - أنّ النسبة بين التقدم والتمسّك بالدين بالنظر إلى العقل وحده ، وقطع النظر عن نصوص الكتاب والسنة - إنّما هي تباين المخالفة ، وضابط المتباينين تباين المخالفة أن تكون حقيقة كلّ منهما في حدّ ذاتها تباين حقيقة الآخر ، ولكنّهما يمكن اجتماعهما عقلا في ذات أخر ؛ كالبياض والبرودة ، والكلام والقعود ، والسواد والحلاوة . فحقيقة البياض في حدّ ذاتها تباين حقيقة البرودة ، ولكن البياض والبرودة يمكن اجتماعها في ذات واحدة كالثلج . وكذلك الكلام والقعود فإنّ حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود ، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعدا متكلّما في وقت واحد . وهكذا . فالنسبة بين التمسك بالدّين والتقدّم بالنظر إلى حكم العقل من هذا القبيل ، فكما أنّ الجرم الأبيض يجوز عقلا أن يكون باردا كالثلج ، والإنسان القاعد يجوز عقلا أن يكون متكلّما ، فكذلك المتمسّك بالدّين يجوز عقلا أن يكون متقدّما ؛ إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على امتثال أوامر اللّه واجتناب نواهيه ، مشتغلا في جميع الميادين التقدميّة كما لا يخفى ،